تفاصيل الموضوع

أسباب مشكلات المجتمع

تاريخ الموضوع : 28-02-2018 الموافق الأربعاء 13 جماد الثاني 1439 هـ | عدد الزيارات : 621

                       

                                                                                                                                               أسباب مشكلات المجتمع
الإمام الجليل ابن قيم الجوزية من بقية ورثة الأنبياء ومن أئمة أهل السنة والجماعة وقد جمع الله له من كمال العلم وكمال العمل ما لم يجتمع لكثيرمن أهل العلم
فهو الحافظ المطلع على كثير من الأحاديث وكاد أن يستوعب آثار السلف من الصحابة والتابعين مع التزام بالسنة ومجانبة للبدعة ونهي عنها وجمع إلى هذا عبادة عظيمة وصلاحا وتقوى وإقبالا على الله وحفظ نفسه من المعاصي والذنوب التي تجلب غضب الله ومقته وتحول دون فضله وإكرامه .
وهذا الكمال في العلم والعمل كانت له الآثار العظيمة عليه منها التسديد في القول والعمل فصارت أقواله عليها نور النبوة وشهدت لها براهين الصدق وحظيت بالقبول والعناية لدى أهل السنة والجماعة
ولم يزل أهل العلم ينصحون بكتبه ويوصون بأن تكون الصبوح والغبوق
ومن كلامه النفيس الذي يبين فيه أسباب مشكلات المجتمع وعلاجها ليسترشد به المؤمن ويستفيد منه كل مصلح راغب في إصلاح مجتمعه ما ذكره في كتابه مفتاح دار السعادة ٢/ ٧١٩ :
" اقتضت حكمة الله العزيز الحكيم أن يأكل الظالم الباغي ويتمتع في خفارة ذنوب المظلوم المبغي عليه فذنوبه من أعظم أسباب الرحمة في حق ظالمه كما أن المسؤل إذا رد السائل فهو في خفارة كذبه ولو صدق السائل لما أفلح من رده وكذلك السارق وقاطع الطريق في خفارة منع أصحاب الأموال حقوق الله فيها ولو أدوا ما لله عليهم فيها لحفظها الله عليهم
وهذا أيضا باب عظيم من حكمة الله يطلع الناظر فيه على أسرار من أسرار التقدير وتسليط العالم بعضهم على بعض وتمكين الجناة والبغاة فسبحان من له في كل شيء حكمة بالغة وآية باهرة حتى إن الحيوانات العادية على الناس في أموالهم وأرزاقهم وأبدانهم تعيش في خفارة ما كسبت أيديهم ولولا ذلك لم يسلط عليهم منها شيء
ولعل هذا الفصل الطردي أنفع لمتأمله من كثير من الفصول المتقدمة فإنه إذا اعطاه حقه من النظر والفكر عظم انتفاعه به جدا والله الموفق .
ويحكى أن بعض أصحاب الماشية كان يشوب اللبن ويبيعه على أنه خالص فأرسل الله عليه سيلا فذهب بالغنم فجعل يعجب فأتي في منامه فقيل له أتعجب من أخذ السيل غنمك إنه تلك القطرات التي شبت بها البن اجتمعت وصارت سيلا  .
فقس على هذه الحكاية ما تراه في نفسك وفي غيرك تعلم حينئذ أن الله قائم بالقسط وأنه قائم على كل نفس بما كسبت وأنه لا يظلم مثقال ذرة . 
والأثر الإسرائيلي معروف أن رجلا كان يشوب الخمر ويبيعه على أنه خالص فجمع من ذلك كيس ذهب وسافر به فركب البحر ومعه قرد له فلما نام أخذ القرد الكيس وصعد به إلى أعلى المركب ثم فتحه وجعل يلقي دينارا في الماء ودينارا في المركب كأنه يقال له بلسان الحال ثمن الماء صار إلى الماء ولم نظلمك  .
وتأمل الحكمة في حبس الله الغيث عن عباده وابتلائهم بالقحط إذا منعوا الزكاة وحرموا المساكين كيف جوزوا على منع ما للمساكين قبلهم من القوت بمنع الله مادة القوت والرزق وحبسها عنهم يقال لهم بلسان الحال منعتم الحق فمنعتم الغيث فهلا استنزلتموه ببذل ما لله قبلكم
وتأمل حكمة الله تعالى في صرفه الهدى والإيمان عن قلوب الذين يصرفون الناس عنه فصدهم عنه كما صدوا عباده صدا بصد ومنعا بمنع
وتأمل حكمته تعالى في محق أموال المرابين وتسليط المتلفات عليها كما فعلوا بأموال الناس ومحقوها عليهم واتلفوها بالربا جوزوا اتلافا باتلاف فقل أن ترى مرابيا إلا وآخرته إلى محق وقلة وحاجة
وتأمل حكمته تعالى في تسليط العدو على العباد إذا جار قويهم على ضعيفهم ولم يؤخذ للمظلوم حقه من ظالمه كيف يسلط عليهم من يفعل بهم كفعلهم برعاياهم وضعفائهم سواء
وهذه سنته تعالى منذ قامت الدنيا إلى أن تطوى الارض ويعيدها كما بدأها
وتأمل حكمته تعالى في أن جعل ملوك العباد وأمراءهم وولاتهم من جنس أعمالهم بل كأن أعمالهم ظهرت في صور ولاتهم وملوكهم فإن استقاموا استقامت ملوكهم وإن عدلوا عدلت عليهم وإن جاروا جارت ملوكهم وولاتهم
وإن ظهر فيهم المكر والخديعة فولاتهم كذلك وإن منعوا حقوق الله لديهم وبخلوا بها منعت ملوكهم وولاتهم ما لهم عندهم من الحق وبخلوا بها عليهم وإن أخذوا ممن يستضعفونه مالا يستحقونه في معاملتهم أخذت منهم الملوك مالا يستحقونه وضربت عليهم المكوس والوظائف وكلما يستخرجونه من الضعيف يستخرجه الملوك منهم بالقوة
فعمالهم ظهرت في صور أعمالهم
وليس في الحكمة الإلهية أن يولى على الأشرار الفجار إلا من يكون من جنسهم  .
ولما كان الصدر الأول خيار القرون وأبرها كانت ولاتهم كذلك فلما شابوا شيبت لهم الولاة
فحكمه الله تأبى أن يولى علينا في هذه الأزمان مثل معاوية وعمر بن عبدالعزيز فضلا عن مثل أبي بكر وعمر بل ولاتنا على قدرنا وولاة من قبلنا على قدرهم وكل من الأمرين موجب الحكمة ومقتضاها
ومن له فطنه إذا سافر بفكره في هذا الباب رأى الحكمة الإلهية سائرة في القضاء والقدر ظاهرة وباطنة فيه كما في الخلق والأمر سواء فإياك أن تظن بظنك الفاسد أن شيئا من أقضيته وأقداره عار عن الحكمة البالغة بل جميع أقضيته تعالى وأقداره واقعة على أتم وجوه الحكمة والصواب ولكن العقول الخفاشية محجوبة بضعفها عن إدراكها كما أن الأبصار الخفاشية محجوبة بضعفها عن ضوء الشمس " .

 


إعداد أ.د. صالح بن محمد العقيل
عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية  . 

   

Bookmark and Share